"الأجازة"
*****************
أستقل عادل أتوبيس الجو باص من موقف عبد المنعم رياض بعد رحلة شاقة من أحد قرى محافظة المنيا ، مسقط رأسه ، وضحكة زوجتة نعيمة تراوده عن نفسة ولا تفارق خياله ، ونسمات عطرها التركيب لا تريد أن تختفى من قيمصه البوليستر بينما يملئه الأمل فى الفوز بأجازة قصيرة أخرى بعد شهر أو أكثر ليعود ألى حضنها وبيته مرة أخرى …بعد 8 ساعات تقريبا فى الطريق ألى شرم الشيخ ، عاد عادل الى عمله بالمنتجع الشهير فى خليج القرش بعد أجازة الزواج وهوا محمل بذكريات جميلة وبقدر كبير من الرومانسية الناعمة وأحلام بذرية صالحة على المدى القريب...
فى صباح اليوم التالى ، أستيقظ عادل وكله همة ونشاط ليؤدى مهام وظيفته كـ لايف جارد على مَرسى المُنتجع المُطل على الشعب المرجانية الخلابة الساحرة فى البحر الأحمر، وقد أحتل أُفق رؤيته عبر البحر جزيرة تيران بكل شموخها ورملها وصخرها وثباتها فى المياه المالحة عبر السنين......أرتدى عادل ملابس العمل وتوجه فى الـ 8 صباحا الى مَرسىَ المُنتجع ، وجلس على كرسيه وتحت المظلة المخصصة له، وهَمْ بفتح موبيله الصينى ليتجول فى الصور والفيديوهات التى ألتقطها أخوه له ولزوجته نعيمة يوم السبوع والفرح...ظل يتأمل الصور والمقاطع قليلا ويُكبر بعضها أحيانا ًويرفع الصوت و يخفضه أحياناٌ وهوا مبتهج بهديل أمواج البحر الأحمر وهى تترطم بالشعب المرجانية وبالسلالم المعدنية للمرسى، حتى قطع هذه الأجواء صوت زميله عبد اللطيف "حمدلله على السلامة ياعم ...صباح الفل ...نورت يا عريس"
هَم عادل وأحتضن عبد اللطيف بكل حرارة وقال له "زعلان منك أنك مجيتش الفرح ..بس أنا جبتلك كحك معايا عملاه حماتى يستاهل بُوجك" ، ضحك عبد اللطيف ورد عليه بلكنة بورسعيدى "ألف مبروك يا عدولة ..والله سامحنى أنى مجيتش ... أنتا عارف مينفعش أنا وأنتا ناخد أجازة معا بعض ".
مرت ساعات الصباح وبدأ عد قليل من النزلاء ، فى القدوم الى المرسى ، فالسياحة فى حالة ركود، وبدأ بعضهم بالقفز فى المياه لعمل سنوركلينج ومنهم من كان يقوم بالغطس أو السباحة بهدوء أو أخذ صور تذكارية....وعادل وعبد اللطيف يقوما بمساعدة من طلب المساعدة بكل همة وأرشاد من أراد النصيحة ...يُصَفران بين كل حين وأخر بصفارة مثل حكم كرة القدم ليحذرا من أخذته الحماسة وروح المغامرة لينجرف تجاه الشعب المرجانية الجميلة والخطيرة فى نفس الوقت...بعد وقت الظهيرة قليلا ، أخرج عبد اللطيف من جيبه علبة سجاير كليوباترا سوبر وولاعة وعزم على عادل بسيجارة فأخذها منه الأخير وأشعلها عبد اللطيف له... بعد نفسين أو تلاته...
نظر عبد اللطيف ألى عادل وقال له "عرفت موضوع الجزيرتين؟"
تملك عادل علامات الأستغراب ورد عليه "جزيرتين أيه؟"
عبد اللطيف: تيران وصنافير
عادل: ملهم دول؟ ..وجعت قلبى يا عب اللطيف؟
عبد اللطيف: بيقولوه بأو بتوع السعودية..
نظر عبد اللطيف ألى عادل وقال له "عرفت موضوع الجزيرتين؟"
تملك عادل علامات الأستغراب ورد عليه "جزيرتين أيه؟"
عبد اللطيف: تيران وصنافير
عادل: ملهم دول؟ ..وجعت قلبى يا عب اللطيف؟
عبد اللطيف: بيقولوه بأو بتوع السعودية..
أرتسمت على عادل علامات الدهشة وأطبق صمت رهيب عليه وكأنما شل لسانه وسٌدَتْ أذنه ، ونظر عبر المكان الذى يقف فيه ليرى بعض الـ با نانا بوت وعلى مسافة منها بعض اليخوت التى تقوم برحلة بحرية وهى تبحر فى الحيز بينه وبين جزيرة تيران أوهى تقف على مرأى منه ليقوم من عليها بممارسة الغطس والسنوركلينج والسباحة ، وأيضا رأى منظرالـ الباراشوتات فى السماء تُحلق وتنزع طريقاً فى السماء فى حين يجُرها لنشات سريعة لتشق البحر بألونه الزرقاء الداكنة شقاً وسط صراخ محبى الـ الباراسيلينج ....شعر عادل بغصة فى حلقه وهم بسؤال عبد اللطيف "من أمتا الســـ" ...ولكن قاطعه الأخير برنة موبيله ، صاحبة النغمة العالية جدا لأحدى الأغانى الشمال أفريقية الشهيرة ..التى لم تتوقف ، بل وصاحبها كلام عب اللطيف الذى حاول التغلب على أرتفاع الصوت "معلش يا عادل...الواد سعيد بتاع الـ بِيتش(beach) بيرنلى كل شوية....هاروح أشوفه عايز أيه ..ومش هعوأ"
نظر عادل مرة أخرى الى البحر وألى الجزيرة وكأنما يرى هذا المنظر لأول مرة ، وتذكر كلام أبوه فى الأجازة الأخيرة وهوا جالس على المسطبة بتاعة داوارهم عن جمال أبن عم أبوه ، الذى أستُشهدْ فى حرب 73 وعن اليوم اللى لما جمال رجع لبيتهم بعد هزيمة يونيو 67 وهوا حافى ووشه محروق من الشمس وهدومه عفشة ومهببة، وأزاى جمال رجع تانى الكتيبة بتاعته بعد الهزيمة وفضل لغاية لما أنتصرنا فى أكتوبر73 ومات فى الحرب وملقوش جثته لغاية دلوقتى! رن صدى هذا الحديث الأبوى فى رأس عادل وذيلته عبارة والده بلكنة صعيدية "يا بنى ، الحمد لله ، الحتة الى أنتا شغال فيها دلوجْتى دىِ، عٌمر ما كنا هنشوفها تانى لولا الحرب"
شعرعادل بوخزة فى صدره ، فهناك شعور لم ينتابه من قبل ، وهوا يرى أحدى الجزيرتين كل يوم أمام عينيه....شعور بالأغتراب وأنعدام القيمة والحسرة وأحساسه لأول مرة أن جمال أبن عم أبوه ربما دُفن هناك فى الجزيرة دفاعاً عنها وهوا يردد فى صمت بلكنة صعيدية "واللى مبئتش بتاعتنا دلوجْتى " ، وهناك أحساس أخر يكاد يتحدث اليه ربما عبر عقله الباطن، "طب ماهو السعودية أخوتنا وحبايبنا ومش صهاينة يعنى ومفيهاش مشكل ، طب ما أهوا أخويا الكبير عوض وأبن عمى عباس ونسيبى حمدان بقالهم شغالين هناك بتاع 15 سنة ومبسوطين أوى.."
وضع عادل يده على جبهته وأحس بأنه مشقوق نصفين و ببرودة فى أطرافه وعرق يتزايد بالتدريج وسرعة أنفاسه الحارة ودمعة تريد أن تهرب من عينيه ....وبدا كأنه يتخيل حين يعود الى قريته، أنه أزاى هيقابل فَرحة بنت جمال ، أبن عم أبوه ، وهيسلم عليها عادى بعد اللى عرفه انهاردا!....تمنى عادل أن يعزم عبد اللطيف عليه بسيجارة أخرى ليبتلع ما سمعه للتو من خبر أصابه بأكتئاب وأحباط....وفى أثناء ذالك جائه من الخلف صوت نسائى رقيق وسؤال بلكنة لبنانية... "لو سمحت ...بَدىِ لايف جاكت وزعانف" ..مسح عادل خده بسرعة وأستدار ببطئ ألى مصدر الصوت وهوا غير متأكد من أن تكون تلك التى أزالها على التو ، دموع أو قطرات عرق! فأخر مرة شعر بهذا الاحتقان كان فى سرداق عزاء والدته، شد عادل طرف الكاب الى الأمام ، وحاول التركيز فى كلامه ، وأصطنع أبتسامة صفراء كادت أن تهزم فكيه ...وَردْ علي النزيلة بنبرة تعودها "جود أًفَتر نون...من عيونى يا فندم"
..وجأه الرد بابتسامة صغيرة من وراء نظارة شمسية حديثة موديل 2016: "تَكرمْ"
..وجأه الرد بابتسامة صغيرة من وراء نظارة شمسية حديثة موديل 2016: "تَكرمْ"
تمت
***********************************************

القصة بتمس واقع احنا عايشينه دلوقتى فعلا وهو اختلاف الرأي والصراع مع النفس مع ان وجهة النظر في الاخر ممكن تكون واحدة.
ReplyDeleteالقصة جميلة فعلا ... ودايما في تميز
شكرا على رأيك جدا يا أستاذ محمد
ReplyDeleteتسلم إيدك يا تامر، إسلوبك بسيط و عرفت بسهولة توصل مشاعرك للقارئ ����
ReplyDeleteملحوظة: في بعض الأخطاء الإملائية خد بالك منها بعد كدة ;)
شكراً يا ريهام على كلامك الجميل - وسأنظر بعين الأعتبار لموضوع الأخطاء الإملائية ...
Deleteوالرجا العلم بأن الخلط الصريح ما بين الفسحى والعامية الشديدة جاء مقصودأً
DeleteThis comment has been removed by the author.
ReplyDelete
ReplyDeleteقصة رائعه يا تامر بتمثل واقع للاسف عايشين فيه
بتمثل حقيقه اشخاص في فمه الحزن علي الحاله اللي احنا فيها
كلام و سرد للتفاصيل جميل جدا
استمر علي هذا المنوال صديقي